(بيت كل المبدعين العرب)
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاسم: محمود خالد عبد الجواد البلد: مصر الفئة: قصة قصيرة العنوان: لا يزال (البحث) جاريا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رئيس مجلس الإدارة
Admin
avatar

المساهمات : 160
تاريخ التسجيل : 09/02/2018
العمر : 50

مُساهمةموضوع: الاسم: محمود خالد عبد الجواد البلد: مصر الفئة: قصة قصيرة العنوان: لا يزال (البحث) جاريا   الإثنين سبتمبر 17, 2018 2:23 am

(2) قصة قصيرة

=================

الاسم: محمود خالد عبد الجواد
البلد: مصر
الفئة: قصة قصيرة
العنوان: لا يزال (البحث) جاريا
-------------------------------
جلس أمامي منصبًا قامته فوق كرسي جلدي مغطى بمعطفه، يحول بيننا مكتب كبير، ورجل ضئيل منكب فوق مجموعة من الورق، ليسجل ما أتأهب لقوله..
تطلع إلى وجهي بضعَ ثوانٍ، مرَّت ثقيلة يغمرها خوفٌ كبير يعتمل بداخلي. أخرج قداحة من جيبه، وأشعل بها سيجارة دفنها بين شفتيه، وزفر دخانًا كثيفًا صنع ضبابًا أمام عيني، ثم قال: - يجب أن تعرف أن ما جاء بك إلى هنا ليس هينًا، إنها قضية أمن دولة.
توقفتْ أذني عند كلمتي (أمن دولة)، حتى ظننتُ أني أصبْتُ بالصمم، وجدتُ نفسي تقول في استسلام تام: - أنا تحت أمرك.
- أخبرْني بكل شيء عن مؤسسة (س.ع)؛ طبيعة عملك.. مديرك.. وما قصة إعلان السفر إلى أوروبا، الذي أعلنتم عنه؟
- سأخبرك، ولكن من فضلك استمع إلى قصتي كاملة؟
عاد بمسند الكرسي إلى الوراء، وأرجع رأسه للخلف؛ ليطلق دخان سيجارته في الهواء، ثم نظر إليّ، قائلًا: - اسمك وسنك ومهنتك، وما هي قصتك؟
*****
اسمي محمود أمين، أو (عبقرينو) كما ينادونني، خمسة وعشرون عامًا، أعمل باحثًا في مؤسسة (س.ع) منذ عام ونصف، بعد ثلاث سنوات من الحبس داخل منزلي، في انتظار وظيفة أجني بها ثمار ما تعلمته في دراستي الجامعية. أخبرني أحد أصدقائي بشأن تلك المؤسسة، فالتحقت بها فورًا، والتقيت بالمدير الذي لم يهتم بسيرتي الذاتية، حتى أني عدت بها إلى منزلي، بعد أن قبلني المدير في نفس اليوم.
لم تكن مؤسسة بمعنى الكلمة، بل كانت مجرد شقة تحوي عشرة أجهزة حاسبات، وثلاث شاشات تلفاز، إذا سرت إلى الداخل، تجد المطبخ، أو البوفيه، والحمّام، وغرفة مغلقة دائمًا على بابها عبارة (المدير العام)، الذي لا يأتي إلا نادرًا.
نعمل على مدار الأسبوع، في جمع البيانات، وإعداد أبحاث واستبانات حول موضوعات تأتينا وفق تعليمات من المدير عبر البريد الإليكتروني، كما نقوم بتفريغ مضامين حلقات البرامج السياسية اليومية، وجميع الحوارات والتصريحات الهاتفية، ثم نرسل النتائج إلى مراكز صناع القرار.
ذات يوم، فوجئتُ بأن جميع زملاء العمل موجودون داخل المؤسسة، في وقت واحد، سواءً الذين يحضرون في فترتي العمل الصباحية أو المسائية. حاولت التحدث فأشاروا لي بالصمت، التفتّ فورًا إلى غرفة المدير، فرأيتُ المصباحَ الأحمر مضاء.
تسللتُ إلى البوفيه؛ لأعد لنفسي قدحًا من القهوة، ثم انطلقتُ إلى مكتبي، ووضعتُ السماعات فوق رأسي، لأبدأ تسجيل البرامج، إلا أن صوت المدير اخترق أذني من بعيد.
رأيتُه واقفًا، وبجواره شخص غريب لم أره من قبل؛ شاب ثلاثيني أشقر طويل، يرتدي نظارة شمسية وبذلة سوداء أنيقة، حتى ظننت أنه من المشاهير أو سياسي كبير. اصطحبه المدير في جولة وسط الأجهزة والماكينات البشرية الجالسة أمامها، يحدثه بلهجة أجنبية، والأشقر يترك إلينا نظرة جامدة وإيماءة خفيفة، حتى وصلا إلى باب الشقة، أو المؤسسة، ورحل الأشقر.
وقف المدير وصاح بأعلى صوته "الكل يستمع إليّ"..
خلع ساعتَه الذهبية ونظارتَه الطبية، وتركهما عند مكتبي، وسار بين نظراتنا إلى أن وصل لمنتصف القاعة، وبنبرة جادة قال لنا "مطلوب منكم - على وجه السرعة - إعداد بحث شامل عن أزمات الشباب في المجتمع، وإجراء استطلاع رأي لعينة من عشرة آلاف شخص على الأقل، بشرط أن تنتهوا من البحث قبل نهاية الأسبوع، أفيدوني باقتراحاتكم!"
كان إجراء استطلاع رأي لعشرة آلاف شخص في بضعة أيام، دربًا من الجنون.. ساد صمت طويل بيننا، وكأن على رؤوسنا الطير. الجميع يفكر ويخط بقلمه فوق الورق، وأصوات تطلب بتقليل حجم العينة، يقابلها رفضٌ قاطع من المدير.
جاءتني الفكرة، لا أعلم مِن أين؟، رفعتُ يدي طلبًا بإيذان من المدير، بإبداء رأيي، وقلت "أقترح بأن نقيم إعلانًا للشباب بالسفر إلى أي دولة مجانًا لمدة أسبوع، عبر الصفحة الرسمية للمؤسسة بموقع التواصل الاجتماعي، ونشترط على الجماهير تسجيل بياناتهم في استمارة تقديم، ومشاركة الإعلان على حساباتهم الشخصية، ثم نجري سحبًا وهميًا ونلتقط صورًا لأفراد بيننا، حاملين صورًا مطبوعة من تذاكر سفر. وبالطبع سنضع الأسئلة التي نريدها في الاستمارة، مع تغيير صياغة الأسئلة."
لا أريد أن أخبرك كيف نجحت الفكرة، يكفيني القول إن المدير صرف لي مكافأة مالية ضخمة، وضاعف راتبي إلى ألفي جنيه، بعد أن تلقينا مائة ألف طلب في ثلاثة أيام فقط، حتى إن أحد أقربائي، الذي تخطى مرحلة الكهولة، طلب مني التوسط للمؤسسة، من أجل اختياره ضمن الفائزين.
أمرنا المدير بأن نترك كل شيء، ونعكف على تفريغ استطلاعات الرأي وتجهيز البحث قبل نهاية الأسبوع، كنا ندور في خلية بلا توقف لمدة عشرين ساعة يوميًا، حتى انتهينا قبل يومين من انتهاء المهلة... تلك هي القصة.
*****
سحب آخر نفس من سيجارته، ثم أخمدها في مطفأة السجائر، وقال بنبرة حادة: - ولكن هذا يعتبر تزويرًا ونصبًا.
رددت مسرعًا: - لماذا؟ لم نتقاضَ أموالًا أو نطلب بيانات هامة، مثل الرقم القومي أو رقم الهاتف أو العنوان، بل الاسم والسن والحي الذي تسكن فيه، وما الذي تبحث عنه في هذا البلد الأوروبي، ولا تجده في بلدك؟، وأشياء من هذا القبيل.
بإيماءة خفيفة، قال: - إذن أنت تعترف بارتكاب جريمة التجسس والتخابر مع دول أجنبية.
جحظت عيناي، وصرخت بلا وعي: - كلا، إننا مؤسسة تهتم بإعداد الأبحاث وإرسالها لصناع القرار في بلادنا.
رد ساخرًا: - في بلادنا؟ أأنت متأكد من هذا؟
أعجزتني الصدمة عن الكلام، حتى ظننت أنّي فقدت النطق، بدأت أتخيل هذا الشاب الأشقر الذي زار المقر، وهو يرسل البحث الذي أعددناه لدولة معادية، وبتّ مستيئسًا أحسب عدد الأبحاث التي أعددناها منذ سنة ونصف، ولوهلة شعرت أن تلك المؤسسة بمثابة مقر للجواسيس.
سألته، وسحابة في عينيّ تنذر بهطول دموع غزيرة: - وأين المدير، المسؤول عن كل هذا؟
- لا يزال مختفيًا وجار البحث عنه.
- يمكنك أن تسأل أستاذ أيمن نبيل، إنه مساعد المدير وحلقة الوصل بيننا وبينه.
- هو أيضًا مختفي.
أشعل سيجارة أخرى، وتطلع إليّ وأنا أبكي بحرقة، كان صمته يربكني بشدة، حتى قام من مجلسه ووقف خلفي، ثم وضع يده فوق كتفي، واقترب من أذني، وقال: - اسمعني جيدًا، أمامك فرصة واحدة لتنقذ نفسك وزملاءك من حبل المشنقة، إذا أخبرتني باسم مديرك بالكامل وأين يوجد الآن؟
طأطأت رأسي في الأرض، ورددت: - اسمه طارق الشاذلي، وهذا كل ما أعرفه عنه.
صاح غاضبًا: - أنت أيضًا؟ أجننتم جميعًا؟ كلما سألت أحدًا منكم يخبرني بأنه لا يعرف سوى اسمه؟ أتعرفون كم مليون شخص يحمل هذا الاسم؟
- أقسم لك إنها الحقيقة.
ضرب مكتبه براحة يده، وصاح: - يبدو أنكم ارتضيتم بحكم الإعدام.
ظللت أدعو الله أن تأتيني إشارة تنقذنا من الهلاك المحتوم، حتى صحت بأعلى صوتي، وذراع الشاويش تجذبني نحو الخارج لتزج بي في الزنزانة: - انتظروا، لقد وجدت حلًا.
- ما هو؟
- بعد إذنك أريد هاتفي المحمول.
- لماذا؟
- سأخبرك..
جاءتني فكرة مجنونة، ولكن الجنون كان سبيلي الوحيد للنجاة. أمسكتُ بهاتفي وأحضرتُ ملف الصور، وبحثتُ عن صورة التقطتها لنفسي وأنا أحمل الصورة المطبوعة من تذكرة السفر، ونظرتُ إلى الاسم، فوجدته (طارق محمد أحمد محمد).
تساءلت بداخلي: - هل يعقل أن يكون هو؟ ولكن كيف؟.. تذكرتُ يوم التقاط الصور بأننا تسلمنا تذاكر السفر من أستاذ أيمن، مساعد المدير. أيعقل أنه قد سلمنا بيانات سفر المدير؟ لماذا؟ أكان غير واثق فيه، وأنه أراد أن يحمي نفسه من غدر مديره؟
انتشلني صوته الذي صاح بقوة: - ألديك ما تريد قوله، أم تذهب إلى الزنزانة؟
نظرت إلى الصورة مجددًا، جحظتْ عيناي لما رأيتا موعد السفر، بعد ثلاث ساعات.

أخبرته بكل ما أفكر فيه، اتصل بشركة الطيران وسأل عن صاحب التذكرة التي كان رقمها واضحًا، وأسرع نحو المطار، وأنقذني جنون تفكيري لمّا كان المدير هناك، يستعد للسفر بالفعل، وتم القبض عليه، وبالطبع لم يكن صعبًا الوصول إلى مساعده، واعترفا بكل شيء، وتم الإفراج عني وزملائي.
وبالتحقيق معهما، تبين أن المدير يطير إلى دولة أجنبية بعد إعداد كل بحث، لإعطائه يدويًا إلى صناع القرار هناك؛ من أجل مساومتهم على رفع المقابل المادي، ثم يجري اتصالًا بمساعده للاطمئنان على عدم كشف نظام المؤسسة، قبل عودته للبلاد. وأن الشاب الأشقر مندوب من سفارة الدولة الأجنبية، جاء يتفقد المؤسسة قبل إبلاغه بإعداد بحث شامل كان سيساعدهم على التأثير في أفكار الشباب وميولهم.
*****
لا أعرف لِمَ أريد الضحك كلما استعدت تلك الذكريات؟ لا يهم، أنا الآن في انتظار مجلس الجامعة وهو يعلن منحي رسالة الماجستير.
كان أستاذي الجامعي الذي يشرف على رسالة الماجستير، متعجبًا من سرعتي في إعداد الرسالة، والتي وصفها بأنها الأسرع في تاريخ الدراسات الجامعية.
لم يعلم أحدٌ بأن رسالتي التي تتحدث عن أزمات الشباب في المجتمع، كانت معدة ومجهزة في حاسبي الشخصي، بعد أن نقلت صورة من البحث إلى بريدي الإليكتروني.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ebdaagroup.yoo7.com
 
الاسم: محمود خالد عبد الجواد البلد: مصر الفئة: قصة قصيرة العنوان: لا يزال (البحث) جاريا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمعية إبداع الثقافية :: المنتدى الأدبي :: منتدى القصة-
انتقل الى: